أبي هلال العسكري
48
الصناعتين ، الكتابة والشعر
رأيته في بعض أصولي كما ذكرته قبل ، فأوردته هاهنا ، وفسّرته على ما رأيته في الأصل . وقوله : والتباعد من حشو الكلام . فالحشو على ثلاثة أضرب : اثنان منها مذمومان ، وواحد محمود : فأحد المذمومين هو إدخالك في الكلام لفظا لو أسقطته لكان الكلام تاما ، مثل قول الشاعر : أنعى فتى لم تذرّ الشمس طالعة * يوما من الدهر إلّا ضرّ أو نفعا فقوله : يوما من الدّهر حشو لا يحتاج إليه ؛ لأن الشمس لا تطلع ليلا . وقول بعض بنى عبس : أنشدنا أبو أحمد عن الصولي عن ثعلب عن ابن الأعرابي : أبعد بنى بكر أؤمّل مقبلا * من الدهر أو آسى على إثر مدبر وليس وراء الفوت شيء يردّه * عليك إذا ولّى سوى الصّبر فاصبر أولاك بنو خير وشرّ كليهما * جميعا ومعروف أريد ومنكر قوله : أريد حشو وزيادة . وقوله : كليهما يكاد يكون حشوا ، وليس به بأس ، وباقي الكلام متوازن الألفاظ والمعاني ، لا زيادة فيه ولا نقصان . وهذا الجنس كثير في الكلام . والضرب الآخر العبارة عن المعنى بكلام طويل لا فائدة في طوله ويمكن أن يعبّر عنه بأقصر منه . مثل قول النابغة « 1 » : تبيّنت آيات لها فعرفتها * لستّة أعوام وذا العام سابع كان ينبغي أن يقول لسبعة أعوام ويتمّ البيت بكلام آخر يكون فيه فائدة ، فعجز عن ذلك ، فحشا البيت بما لا وجه له . وأما الضرب المحمود فكقول كثيّر : لو أنّ الباخلين وأنت فيهم * رأوك تعلّموا منك المطالا « 2 »
--> ( 1 ) ديوانه 49 ، 67 . ( 2 ) المطال : التسويف .